الخميس ١٨ / يونيو / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

خالد مصطفي يكتب: الهجرة النبوية.. صناعة المستقبل من قلب المحنة

خالد مصطفي يكتب: الهجرة النبوية.. صناعة المستقبل من قلب المحنة
صدي بني سويف

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يحتفل المسلمون كل عام بالهجرة النبوية؛ لأنها واحدة من أعظم المنعطفات في التاريخ الإنساني، إذ لم تكن ــ كما يظن البعض ــ مجرد رحلة أو انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى يثرب، بل كانت مشروعًا حضاريًّا متكاملًا، نقل الدعوة الإسلامية من ضيق الاستضعاف إلى سعة البناء والتمكين. ولهذا استحق هذا الحدث الفريد أن يكون بدايةً للتقويم الإسلامي، فحينما اختار الفاروق عمر بن الخطاب هذا الحدث، دون غيره من الأحداث العظام التي مرت بالمسلمين، من بداية الجهر بالدعوة مثلًا، أو من تاريخ البعثة النبوية، أو حتى من أول انتصار يحققه المسلمون في غزوة بدر الكبرى، أو من تاريخ بيعة العقبة الثانية، فلم يكن اختياره عشوائيًّا، وإنما كان اختيارًا موفَّقًا بعد دراسة دقيقة ونظرة عميقة، فاختار الحدث الذي كان بداية قيام دولة إسلامية تنشأ على مبادئ سياسية من شأنها أن تكتب لها الحياة، وتكون مصدر إلهام للأمم على اختلاف ألسنتها، وللأفراد على اختلاف مشاربهم، وذلك في كل الأزمنة وعلى مر العصور.

الهجرة لفتح الدروب لا للهروب

لما تعرض المسلمون في مكة ــ على قلة عددهم ــ لألوان شتى من الاضطهاد والتعذيب والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الهجرة ضرورة لا للهروب من تلك الأوضاع العنصرية واللا إنسانية؛ وإنما كانت الهجرة لحفظ العقيدة واستمرار الرسالة. ولم يكن الهدف البحث عن الراحة أو النجاة الشخصية، بل إيجاد بيئة تسمح للدعوة بالنمو والانتشار. ولم تأتِ الهجرة الكبرى بغتةً؛ فقد سبقتها مقدمات مهمة، منها الهجرة الأولى من مكة إلى الحبشة، ثم بيعتا العقبة اللتان مهدتا لقيام مجتمع جديد في يثرب. ومن هنا يتبين لنا أن الإسلام لا يدعو إلى الاستسلام للواقع الفاسد، بل إلى تغييره بكل الوسائل المشروعة والممكنة.

التخطيط الراشد أساس النجاح

لم تكن الهجرة النبوية نتيجة خوف من الواقع الصعب الذي يعيشه المسلمون في مكة، وليس أدل على هذا من ذلك التخطيط الدقيق الذي سبق تنفيذها. فقد اختير الرفيق وهو أبو بكر الصديق الذي لا يتوانى في بذل روحه فداء للرسول الصادق الأمين، وأُعد الدليل الخبير بالطريق وهو عبد الله بن أُرَيْقِط (على الرغم من أنه كان آنذاك مشركًا، لكنه كان ثقة)، وحُدِّد مكان الاختباء في غار ثور، ووُزعت الأدوار بين علي بن أبي طالب، وأسماء بنت أبي بكر، وأخيها عبد الله، وعامر بن فُهيرة، مع اتخاذ جميع الأسباب البشرية الممكنة. وهنا تظهر حقيقة عظمى: أن التوكل ــ وليس التواكل ــ لا يعني ترك الأسباب، وإنما يعني الأخذ بها، ثم تفويض النتائج إلى الله تعالى، كما أن الاستعانة بغير المسلمين جائزة، مادامت في غير معصية.

الهجرة كانت رحلة من مرحلة بناء الفرد إلى مرحلة بناء الدولة

انتهت رحلة الهجرة بالوصول إلى يثرب؛ لتبدأ رحلة أعظم: رحلة البناء، بناء الإنسان والمجتمع والدولة. فكان أول ما فعله النبي ﷺ بناء مركز الإيمان والعلم والإدارة، فأسس مسجد قباء الذي قام على التقوى، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وحدَّد أسس التعايش والتكافل، ووضع وثيقة المدينة التي تعد من أوائل الوثائق المنظِّمة للعلاقات المدنية في التاريخ، ومن ثَمَّ نتعلم أن النجاح الحقيقي لا يقاس بمجرد الخروج من المجتمع الضال والوصول إلى المكان الجديد، بل يقاس بما يُبنى فيه من قيم ومؤسسات.

إن الهجرة النبوية تمدنا في كل عصر بفوائد جديدة مبتكرة تتناسب والأيام التي نعيشها، ومنها:

كيفية إدارة الأزمات:

تكشف الهجرة عن نموذج متكامل لإدارة الأزمات؛ فالنبي ﷺ لم يقع في الارتباك ولم يسرع باتخاذ ردود أفعال عشوائية، فحينما اشتدت الأزمة وأطل الخطر برأسه انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مرحلة تشخيص الأزمة إلى مرحلة صناعة البديل. وفي عصرنا هذا يمكن لنا ــ مؤسساتٍ وأفرادًا ــ أن نتعلم من الهجرة أن مواجهة الأزمات لا تكون بالبكاء أو الشكوى، وإنما بالتخطيط الراشد والبحث العاقل عن الفرص الكامنة داخل التحديات.

ضرورة الاستثمار في العلاقات الإنسانية:

نجحت الهجرة، ولكن نجاحها لم يكن وليد جهد فردي، بل كان ثمرة العلاقات الوثيقة والثقة المتبادلة. فالأنصار استقبلوا المهاجرين، وأسماء قامت بدور لوجستي مهم، وعبد الله بن أبي بكر قام بدور استخباراتيٍّ، فكان يتتبع أخبار قريش نهارًا وينقلها إلى النبي وصاحبه ليلًا، كما كان يمدهما بالطعام وكل ما يلزمهما، وأدى عامر بن فهيرة دورًا بالغ الأهمية، حيث تولَّى مهمة التمويه على المشركين ونقل الأخبار للرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، كما قام  بإخفاءآثار عبد الله بن أبي بكر وهو عائد من الغار، ليمنع المشركين من اكتشاف مكان الاختفاء، وذلك عن طريق السير بالأغنام فوق أثر قدميه.

وسائل التحول الحضاري:

يظن كثير من الناس أن التغيير في مسار الحياة يحدث فجأة، أو بدون إعداد سابق، لكن الهجرة النبوية تؤكد في حقيقتها أن التحولات الكبرى تبدأ بإعداد طويل وصبر جميل، ثم تأتي لحظة الانتقال أو الارتحال الحاسمة، فالمشروع الناجح يحتاج إلى "هجرة" من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التنفيذ بعد دراسة متأنية ووضع الخطة المناسبة. 

رسائل الهجرة وصناعة الأمل:

لقد خرج من الغار مشروع حضاري غيّر وجه العالم. رغم أن الظروف كلها كانت توحي بالحصار والفشل، فجاءت رسائل الهجرة على عكس تلكم الظروف، فبينت أن المستقبل لا تصنعه الإمكانات وحدها مهما بلغت ضخامتها، وإنما تصنعه عقيدة راسخة وإرادة صلبة ورؤية واضحة.

ومن رسائل الهجرة أن الهجرة المعنوية مازالت مستمرة؛ فهي لم تنتهِ بالانتقال من مكة إلى المدينة، فقد انتهت شكلًا لكنها بقيت موضوعًا؛ فمعناها التربوي لم يزل خالدًا؛ فهي مدرسة متجددة لا يرتبط أثرها بزمن معين،  فالمسلم يهاجر من الجهل إلى العلم، ومن الكسل إلى العمل، ومن السلبية إلى الإيجابية، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الأنانية إلى العطاء.

لا بد أن نفيد من هذه الرسائل، فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استيعاب دروسها العميقة. فالهجرة تعلمنا أن الإيمان يصنع الرؤية، وأن الرؤية تصنع التخطيط السليم، والتخطيط السليم يصنع النجاح، وأن النجاح يتحقق  بالتعاون، والتعاون يصنع القوة، وأن القوة تحقق الأمل،  والأمل يصنع المستقبل.

وما أحوجنا في زمن التحديات المتلاحقة إلى أن نقرأ الهجرة لا بوصفها ذكرى تاريخية، بل بوصفها منهجًا عمليًّا لصناعة النهضة وبناء الحضارة وتجديد الإنسان.

فلتكن هجرتنا اليوم من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التبعية إلى الإبداع، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الشعارات إلى العمل. والله ولي التوفيق.